لم يبق شيء من تفاصيل الإنفاق إلا وضحه الله في سورة البقرة, ولم يبق أسلوب في الترغيب فيه إلا سلك الله في ذلك أحسنه؛ والله “نزل أحسن الحديث”, ولكن هل الحث في الإنفاق مختص بالمسلمين دون غيرهم؟ وهل الإنفاق يقصد منه حشد الأموال لأطماع توسعية كما يحلو للبعض أن يوصف؟ لا شك أن الله حينما ذكر من ينفق عليهم في الموضع الذي ذكر فيه الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل لم يخصص المؤمن منهم وإنما أطلق اللفظ فأفاد أن ذلك يشمل من اتصف بهذه الصفة مهما كان دينه, وإمعاناً في التأكيد وتعميق هذا المفهوم يقول تبارك وتعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء؛ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم, وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله, وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون).
فليس عليك أن تجعل صدقتك يا محمد -والخطاب يشمل أمته- سبيلاً للضغط على الناس أن يدخلوا في الإسلام, لإن ذلك ليس من اختصاصك وإنما من اختصاص الله الذي يهدي من يشاء, فإن كل نفقة يقدمها الإنسان فإنما يقدمها لنفسه فليس له أن يجعل لذلك أهدافاً من عنده حتى وإن كانت في سبيل الضغط على الناس ليدخلوا في الإسلام. فإذا أنفق الإنسان فليتأمل أن يبتغي بنفقته وجه الله, ثم ليعلم أن ليس له في ذلك فضل ولا منة مادام سيوفى أجره على ذلك كاملاً مضاعفاً لا ظلم فيه ولا شطط, وليتقصد بذلك أهل النفقة ويغض النظر عن أحوالهم من مودة أو كراهية, من إسلام أو كفر فالهداية بيد الله وهو يجزي كل منفق بالجزاء الأوفى. ثم يذكر الله صفة صنف من الناس الإنفاق عليهم يصل الذروة وكلما اقترب محل نفقته من صفتهم كلما علا شأنها وتعاظم أجرها فيقول سبحانه: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم, الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فأين من يبحث عن الأمن من الخوف, والسلوة من الحزن سيجدها بوعد الله -ولا أصدق من الله- في إطلاق يده بالنفقة ليلاً ونهاراً سراً وعلانية, فلا وقت لبذله ولا موسم لعطائه يقتنص الفرص ويتحين السوانح فيعطي أي شيء على أي حال, لا يحقر شيئاً أن يعطيه ولا يستكثر شيئاً بذله ابتغاء وجه الله, فكيف إذا تقصد بنفقاته أناساً أقعدتهم المصائب عن الضرب في الأرض وطلب الرزق, وهم في طاعة الله, يتعففون عن سؤال الناس وإظهار حاجتهم لهم, حتى لكأنهم بين الناس أغنياء لمن لا يطلع على حالهم, هم معروفون بمايظهر عليهم من سيما الفاقة لمن أعاد ودقق النظر, أبت عليهم عزة نفوسهم أن يسألوا الناس وإن ألجأتهم حاجتهم فسألوا فهم لا يلحون ولا يكررون السؤال حفاظاً على ماء وجوههم. وهؤلاء موجودون في كل زمان وفي كل مكان, لهم حق على إخوانهم أن يبحثوا عنهم ويتفقدوا أحوالهم, ولذلك جعل الله النفقة على الأقربين مقدمة لأن الإنسان يطلع على أحوالهم أكثر, وليعلم الإنسان أن ما يفعله محصى ومكتوب وسوف يجازيه الله عليه.
وبهذا يختم الله تبارك وتعالى سياق الإنفاق في سورة البقرة ليبدأ بعد ذلك سياقاً متعلقاً بالإنفاق وهو الربا, وينتهي هذا المسلسل عن “مفاهيم في الإنفاق من سورة البقرة”, ورحم الله من قرأ هذا ثم أبدى رأيه أو أضاف مفهوماً جديداً أو اعترض على شيء ليثري ويبني .. والله من وراء القصد.