وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله

أكتوبر 13, 2008

لم يبق شيء من تفاصيل الإنفاق إلا وضحه الله في سورة البقرة, ولم يبق أسلوب في الترغيب فيه إلا سلك الله في ذلك أحسنه؛ والله “نزل أحسن الحديث”, ولكن هل الحث في الإنفاق مختص بالمسلمين دون غيرهم؟ وهل الإنفاق يقصد منه حشد الأموال لأطماع توسعية كما يحلو للبعض أن يوصف؟ لا شك أن الله حينما ذكر من ينفق عليهم في الموضع الذي ذكر فيه الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل لم يخصص المؤمن منهم وإنما أطلق اللفظ فأفاد أن ذلك يشمل من اتصف بهذه الصفة مهما كان دينه, وإمعاناً في التأكيد وتعميق هذا المفهوم يقول تبارك وتعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء؛ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم, وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله, وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون).

فليس عليك أن تجعل صدقتك يا محمد -والخطاب يشمل أمته- سبيلاً للضغط على الناس أن يدخلوا في الإسلام, لإن ذلك ليس من اختصاصك وإنما من اختصاص الله الذي يهدي من يشاء, فإن كل نفقة يقدمها الإنسان فإنما يقدمها لنفسه فليس له أن يجعل لذلك أهدافاً من عنده حتى وإن كانت في سبيل الضغط على الناس ليدخلوا في الإسلام. فإذا أنفق الإنسان فليتأمل أن يبتغي بنفقته وجه الله, ثم ليعلم أن ليس له في ذلك فضل ولا منة مادام سيوفى أجره على ذلك كاملاً مضاعفاً لا ظلم فيه ولا شطط, وليتقصد بذلك أهل النفقة ويغض النظر عن أحوالهم من مودة أو كراهية, من إسلام أو كفر فالهداية بيد الله وهو يجزي كل منفق بالجزاء الأوفى. ثم يذكر الله صفة صنف من الناس الإنفاق عليهم يصل الذروة وكلما اقترب محل نفقته من صفتهم كلما علا شأنها وتعاظم أجرها فيقول سبحانه: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم, الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فأين من يبحث عن الأمن من الخوف, والسلوة من الحزن سيجدها بوعد الله -ولا أصدق من الله- في إطلاق يده بالنفقة ليلاً ونهاراً سراً وعلانية, فلا وقت لبذله ولا موسم لعطائه يقتنص الفرص ويتحين السوانح فيعطي أي شيء على أي حال, لا يحقر شيئاً أن يعطيه ولا يستكثر شيئاً بذله ابتغاء وجه الله, فكيف إذا تقصد بنفقاته أناساً أقعدتهم المصائب عن الضرب في الأرض وطلب الرزق, وهم في طاعة الله, يتعففون عن سؤال الناس وإظهار حاجتهم لهم, حتى لكأنهم بين الناس أغنياء لمن لا يطلع على حالهم, هم معروفون بمايظهر عليهم من سيما الفاقة لمن أعاد ودقق النظر, أبت عليهم عزة نفوسهم أن يسألوا الناس وإن ألجأتهم حاجتهم فسألوا فهم لا يلحون ولا يكررون السؤال حفاظاً على ماء وجوههم. وهؤلاء موجودون في كل زمان وفي كل مكان, لهم حق على إخوانهم أن يبحثوا عنهم ويتفقدوا أحوالهم, ولذلك جعل الله النفقة على الأقربين مقدمة لأن الإنسان يطلع على أحوالهم أكثر, وليعلم الإنسان أن ما يفعله محصى ومكتوب وسوف يجازيه الله عليه.

وبهذا يختم الله تبارك وتعالى سياق الإنفاق في سورة البقرة ليبدأ بعد ذلك سياقاً متعلقاً بالإنفاق وهو الربا, وينتهي هذا المسلسل عن “مفاهيم في الإنفاق من سورة البقرة”, ورحم الله من قرأ هذا ثم أبدى رأيه أو أضاف مفهوماً جديداً أو اعترض على شيء ليثري ويبني .. والله من وراء القصد.


فإن الله يعلمه

أكتوبر 10, 2008

نفقة الإنسان / صدقته إن لم تحقق المقاصد النبيلة منها فلا حاجة له بها لأنها إن لم تضره فهي لن تنفعه, وما أعظم خسران من خسر الدنيا بتبديد ماله والآخرة بتبديد جزاء الله وفضله “ذلك هو الخسران المبين”, ويزيد الله التفصيل تفصيلاً في أحوال نفقات المنفقين, وأحوال قلوبهم مع نفقاتهم, وينبههم أن إحصاء الله لنفقاتهم أفضل من إحصائهم أنفسهم لها وهم أشح بها؛ فيقول تقدس اسمه : (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار, إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير).

ولو تأملنا هذا الدفع الحثيث للناس لأن ينفقوا أموالهم وكيف أنه عمل به قوام الصالح العام ولا يطال الداعي منه شيء؛ لرأينا عظم الحكمة الإلهية من هذا التركيز على الإنفاق وتسميته سبيلاً إلى الله رغم أنه يصب في جيوب عباده؛ فهذا يرينا أن سبيل الله هو كل ما ينفع عباده ويقوي روابط التعاون والتكافل بينهم ويجرد الإنسان من نزواته الدونية وجشعه الفطري, فيوجه الله عبادة أن ينسوا مقدار ما أنفقوا وأن يستزيدوا من الإنفاق قدر ما يستطيعون ولا يحملوا هم الإحصاء؛ فإن كل نفقة ينفقونها أو نذر فإن الله يعلم ذلك كله بكل تفاصيله فيجزي الجزاء الأوفى من خلصت نيته وصان نفقته أن يطالها شيء ينقصها أو يذهب بها, وما للظالم الذي جعل نفقته في غيرمحلها أو أتبعها بما يذهبها من نصير ينصره وقت الحساب عليها.

ثم يلتفت إلى تساؤل حول إبداء النفقة / الصدقة أو إخفائها حيث يوجد منطقة رمادية تتقاطع فيها نزوات الإنسان مع دوافعه النبيلة, فيبين أن المنفق إذا اجتهد في صيانة نفقته عما يمحقها وأبداها فرآها الناس وعلموا بها فلا زالت تقع في دائرة المحمود. ولكن الأفضل له أن يخفيها حتى لا يعلم بها أحد ويتقصد بها الفقراء في السر صيانة لنيته, وصيانة لمشاعر الفقير فذلك أدعى أن تقبل نفقته ويحصل بذلك التكفير عن خطاياه وذنوبه, والله في كل ذلك مطلع وخبير بخفايا الصدور ومكنونات الضمائر, كيف وهو الخالق -سبحانه وتعالى-؛ هنا يجب أن ينصت الإنسان للخبير بخفايا نفسه ودوافعه, وليستوحي من الوقفات الإلهية الأسلوب الأمثل لتعامله مع دوافعه والشفرة لفك تعقيدات دوافع الناس وفهم تصرفاتهم. فللنفس كما للناس على حد سواء أساليب في صبغ دوافعهم بمثالياتهم وتلبيس أفعالهم باللبوس الذي يعجبهم ولا يريدون أن يزيلوا غشاوة عيونهم ليروا أفعالهم على حقيقتها؛ ولكن الأسلوب الإلهي يضعهم وجهاً لوجهٍ مع نزواتهم التي يتملصون منها ويعلمهم خطوة بخطوة كيف يجعلونها تحت تحكمهم لا متحكمة بهم, وذلك لا يكون إلا “لمن كان له قلب, أو ألقى السمع وهو شهيد”.


لا تيمموا الخبيث منه تنفقون . !

أكتوبر 9, 2008

بعد ضرب الله الأمثال لأثر مطوي القلب, ومكنون الضمير على صدقة الإنسان؛ وكيف أن ذلك يضاعفها حتى تتجاوز سبعمائة ضعف أو يمحقها كأن لم تكن, يخص الله هذا الموضوع بمزيد تفصيل ويبين العوائق التي تقف أمام نفقة الإنسان / صدقته مما يتعلق بنيته ومكنون ضميره. يقول تبارك اسمه: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد, الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم, يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب).

هنا يوجه الله المؤمنين بأن ينفقوا من كسبهم ما يصح وصفه بالطيب وأن يتجنبوا الرديء ويعطيهم المعيار لتمييز الطيب من الرديء؛ فالنفقة / الصدقة إنما هي شيء يقدمه الإنسان لنفسه ينطوي على إقراض لله وتقرب منه فلا يصح أن يكون ذلك مما عافته نفس المنفق من ماله واستغنى عنه أو ربما ضاق به فأراد التخلص منه, والهدف من النفقة ليس إغناء الله -تعالى الله- من فقر فالله غني حميد؛ ولكن الهدف تزكية نفس المنفق / المتصدق وتحقيق المصالح التي أرادها الله تعالى فاقتضت حثه للناس على الإنفاق في سبيله؛ وذلك لا يتحقق بإنفاق الرديء الذي عافته النفس ولا تقبله لو اهدي لها إلا أن تغمض فيه أي على كره واستحياء؛ فكما أن النفس تتطلع حال قبولها لهدية أن تكون طيبة , فلماذا لا تهدي من مالها الطيب.

واتجاه نفس الإنسان إلى خبيث مالها لتنفقه له اساس فطري ينبهنا الله إليه -وهو أعلم بخلقه- وذلك أنها تخاف الفقر والاحتياج إذا أنفقت طيب مالها, وهنا يكمن الاختبار الصعب وهنا يكون محك الإيمان بوعد الله؛ فالشيطان مدججاً بكل جنوده في فطرة الإنسان يعد المنفق حال الإنفاق بالفقر والحاجة, والله يعده بالمغفرة للذنوب والفضل المتمثل برد النفقة مضاعفة إما في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا وهو الواسع العليم, فأي الوعدين أحق بالتصديق؟ لا شك أن ذلك يتطلب حصافة وحكمة وتدبر وتأمل وذلك من نعم الله يؤتيها من يشاء ومن يؤت الحكمة والبصيرة النافذة في الأمور فقد أوتي خيراً لا حد له ولكن أين من يدرك مثل هذا ويتنبه له؟


لا تبطلوا صدقاتكم

سبتمبر 29, 2008

(يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الظالمين, ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين؛ فإن لم يصبها وابل فطلّ والله بما تعملون بصير, أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء؛ فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت, كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تتذكرون)

ثلاثة أمثال يضربها الله جل في علاه ليبين للمنفق الشروط التي تجعل نفقته مقبولة مضاعفة موعودة بالأجر الجزيل, وهي ليست بشروط تعجيزية بل شروط توجه هذه النفقة لتضعها في مكانها الصحيح دون أن تتلوث بأغراض البشر, ولينتفع منها الآخذ دون أن تخدش كرامته وليتزكى بها المنفق دون أن يبخس من نفقته شيئاً. نعم تبطل نفقة الإنسان كأن لم تكن لو قرنها بمن أو أتبعها بأذى لأنه تعجل الجزاء عليها ورضي بانكسار نفس الفقير أن يكون مكافئاً للمال الذي أنفقه, ويوازي ذلك نفقة المرائي الذي كفاه الحمد من الناس وذكر الناس لنفقته جزاءً على النفقة ولا يظلم ربك أحداً. فهذان مثالان لنفقة باطلة من الأساس تعجل صاحبها الجزاء عليها ففاته الجزاء الآجل, وضرب الله مثلاً لطيفاً لهذه النفقة التي وضعت على مكان زلق؛ كمثل صخرة ملساء فوقها تراب يغطيها أصابها مطر غزير فأزال التراب من على ظهرها فتركها ملساء, فالذي تبقى للمنفق من نفقته عند الله هو بقدر ما تبقى من التراب فوق هذه الصخرة.

وأما الذي يراقب الله وينفق النفقة ابتغاء وجهه طيبة به نفسه فهذا الذي يحصل له البركة والمضاعفة؛ وضرب الله مثلاً لنفقته بالبستان في المكان المرتفع إن أصابها مطر غزير أنتجت ضعف محصولها وإن لم يحصل هذا المطر الغزير فالطل يكفيها لأن تنتج محصولها الذي يرجى منها, وذلك لارتفاع مكانها الذي يجعلها معرضة للشمس وللمطر أكثر, ومقدار المطر هو بمقدار إصابة هذه النفقة موضعها كأن تسد حاجة مضطر انقطعت به السبل وهو أحوج ما يكون إليها فتكون وقعت بذلك موقعاً حسناً فكانت كالوابل من المطر الذي جعل البستان ينتج ضعف محصوله.

وأما الغبن كل الغبن في المثال الثالث الذي هو لرجل أنفق نفقة فكانت له كالبستان من النخيل والأعناب القريب من مصادر المياه إذ الأنهار تجري قريباً منها وأصابه الكبر وهو ينميها ويحافظ عليها, ويعرف من له اطلاع ما يحتاجه النخيل والأعناب من عناية حتى يثمر, فهذا الرجل الذي كان يدخر هذا البستان لنفسه ولأبنائه الضعفاء, ما مقدار مصيبته يا ترى لو أصاب بستانه هذا إعصار فيه نار فأحرقه كله, ولم يبق منه شيئاً؛ هذه هي خسارة المنفق الذي أتبع نفقته بعدما أنفقها ولو بعد سنين بأذى, فصار يقول: ألا تذكر يوم أعطيتك, وقد أنفقت على فلان وعلى فلان حتى أحرق كل نفقاته أحوج ما كان إليها.

وهذه العناية والتفصيل وضرب الأمثال لا تترك بعد ذلك للائم مقالاً؛ فالله بين الوجوه التي يجب أن يتم فيها الإنفاق, وكيف يكون الإنفاق, وبين جل جلاله الآفات التي تصيب النفقة حال إنفاقها وبعد إنفاقها فما بقي بعد ذلك عذر لأحد.


قول معروف ومغفرة, خير من صدقة . !

سبتمبر 28, 2008

إنه لجزاء تشرئب له أعناق ذوي الهمم العالية ذلك الذي ضرب الله له مثلاً بالحبة التي أنبتت سبع سنابل, في كل سنبلة مائة حبة؛ ولكن شيئاً بهذا الحجم يأتي بمجرد الإنفاق يجعل الإنسان يتوقف في معقوليته . ! ولكنه وحي رب العالمين فيعيد الطرف كرة أخرى ويفكر أن لا بد لمثل هذا الجزاء من شيء يقارب استحقاقه على الأقل وإن كان لا يوازيه, فتأتيه الآية التي تليها لتضع النقاط على الحروف وتبين شروط هذا الإنفاق الذي يستحق هذا الجزاء تمام الاستحقاق وتضيف لذلك الجزاء جزاءً يزيد المقبل إقبالاً.

قال جل اسمه: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى؛ فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون, قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) فهنا نعلم أن عظم الجزاء لم يأت إلا مع عظم العمل الذي لا تستطيعه كل نفس, إذ يجب أن تتوفر شروط لتكون هذه الصدقة مستحقة للجزاء. فمن ينفق يجب أن يكون ما ينفقه من ماله, وأن يكون موضع الإنفاق في شيء يراد به وجه الله وهو في نفس الوقت يقرب إلى الله؛ إذ الغايات لا تبرر الوسائل, أن لا يتبع منفق المال نفقته شيئاً ينقصها أو يذهبها كالمنّ أو الأذى. والمن هو سلوك من المنفق وقت الإنفاق ينزل به من قيمة الآخذ أو يشعره بتفضله عليه, والأذى سلوك يكون بعد النفقة ولو بسنوات يلمح فيه المنفق إلى نفقته تلك, وهذا تعميق لمفهوم شراكة الفقير للغني في المال الذي إنما هو محض تفضل من الله لم يبذل فيه كاسبه سوى فعل السبب في كسبه, والمنفق حينما يمن أو يؤذي لا يتطاول على الآخذ فقط, وإنما يتطاول على رازقه فينسب لنفسه فضلاً لم يستحقه ويستبدل بالحظ الباقي هذا الحظ النفسي الأناني. ولله ما أجمل هذا الأدب في صيانة نفسية الإنسان وحفظ ماء وجهه أن يتطاول عليه إنسان آخر أو يمتهنه لأنه أصبح أكثر منه مالاً, فما قيمة المال مقابل قيمة الإنسان؟ ويزيد الله سبحانه في إرساء هذا الأدب حينما يخبر بأن القول اللطيف في رد السائل أو غض الطرف عنه أفضل من هذه الصدقة التي يتبعها منّ أو أذى وهذا يرينا أن الهدف من الإنفاق تزكية نفس المنفق بالمرتبة الأولى لا حلب جيبه, والله تعالى تكفل برزق كل دابة على هذه البسيطة.

فليقدم على الإنفاق كل من له نفس زكية لا تمنّ ولا تؤذي, وتستشعر أن هذا المال لن يدوم لها ولو دام لغيرها لما وصل إليها, وليشكر المنفق ربه وهو يعطي النفقة أن هيأ له مثل هذه الفرصة ليزكي نفسه وأن جعل يده عليا تعطي على الرغم من قدرته على جعلها سفلى تأخذ. ثم ليبشر بعد ذلك بالمضاعفة وبجزاء آخر أعظم وهو تكفل الله بأن لا خوف عليه ولا حزن يصيبه, فلا خوف عليه فيما يستقبل في أمور دنياه ولا في قبره وليبشر بالأمن يوم الفزع, ولا حزن يصيبه على شيء فاته فإن الله تكفل أن يعوضه, ولو لم يكن من نفقته إلا هذا لكفى !


كمثل حبة

سبتمبر 27, 2008

نعم علمنا أن الإنفاق مطلوب لذاته لمنافع عدة وعلمنا أي شيء ننفق وفي أي شيء وأن عدم إنفاقنا في سبيل الله تهلكة لنا ولكن بقي شيء ! ماذا لنا لقاء هذا الإنفاق عند الله, فإن نفس المؤمن حينما يحيلها الله إلى جزاء عنده تتطلع إلى هذا الجزاء رغبة في الاستزادة منه. ولكن تأتي مشكلة بسيطة في إدراك مقدار هذا الجزاء فلو قيل للمنفق: لك كذا من الحسنات لعد هذا جيداً يدفعه للإنفاق ولكنه سيبذل بسخاء أكثر لو أدرك هذا الجزاء أكثر وهنا يأتي دور ضرب المثل؛ ويضرب الله المثل للعبد ليتفكر ويدرك بشكل أوسع ما أعد له من الجزاء فيقول تبارك اسمه: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) فمثل المنفق كمثل من بذر حبة قمح فنبت منها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة مثل تلك التي بذر من قبل. وقد يأذن الله ببذر حبوب هذه السنابل فتنبت أضعاف أضعاف والله يضاعف لمن يشاء.

وهذا مثال في غاية اللطف, فالمنفق هو الباذر, والحبة التي بذرها هو ذلك المال الذي أنفقه, والتراب والبيئة الطبيعية المحيطة هو ذلك المجال الذي اختاره المنفق ليضع فيه نفقته, والتعاهد ودفع الأذى عن النبات هو تعاهد هذا المنفق لنيته أن لا يطالها ما يفسدها فيفسد عليه بعض نباته أو يجتث من أصله. فلنتأمل كيف صار الزرع والنبات هو أفضل مثال للإنفاق, وكيف أن العبرة ليست بالعدد فقط كأن تنتج الحبة سبعمائة حبة؛ بل إن لجودة النبات ونمائه معياراً كما لعدده وكذا الحال مع الإنفاق, فإن مقدار المال وإن كان يعني شيئاً إلا أنه لا يعني كل شيء فإصابة الموقع الذي يكون فيه الإنفاق أجدى مهم بقدر أهمية مقدار الإنفاق والعبرة بمآلات الأمور لا بأشكالها. وكما أن الباذر لم يعدم يوماً ان يجد مكاناً يضع فيه حبته فتتضاعف, فكذا سعة فضل الله عز وجل فهو واسع سبحانه لا يتكاثر شيئاً أعطاه؛ عليم بمن يستحق هذا العطاء وهذه المضاعفة.

ويلاحظ أني في كل ذلك أقول الإنفاق ولا أقول الصدقة لأن الصدقة جزء من مفهوم الإنفاق والإنفاق أوسع من ذلك بكثير ويمكن أن نعرفه: بأنه كل ما يبذله الإنسان لا يرجو عليه عائداً دنيوياً. وإذا كان حال النفقة كحال النبات, فإن للنبات آفات تصيبه وعوارض تعرض له؛ لم تهملها آيات سورة البقرة نتحدث عنها لا حقاً.


ماذا ينفقون؟ -2-

سبتمبر 26, 2008

وهنا سؤال أيضاً عن ماهية المنفق في سياق الحديث عن الخمر والميسر, يقول الحق تبارك اسمه: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما, ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون), فالإنفاق في الخمر والميسر وهما مثال لجنس الإنفاق فيما يضر جملة وإن كان فيه نفع يسير. صحيح أن الإنفاق في أي شيء مقصود بذاته لأن ذلك قوام الحراك الاقتصادي ولكن هناك أوجهاً للإنفاق يغلب ضررها نفعها وما الخمر والميسر إلا مثالان على الإنفاق الذي يضر صاحبه في الدنيا بضياع ماله وغيرها من المفاسد الدنيوية وفي الآخرة بالإثم.

ثم يأتي -جل ذكره- على تساؤل قد ورد عن مقدار ما ينفق الإنسان من ماله في الأوجه التي وردت من قبل (“الوالدان, الأقربون, اليتامى, المساكين, ابن السبيل”) فتكون الإجابة: أن ينفق الإنسان من ماله “العفو”, والعفو إن أرجعناه إلى المال يعني ما زاد من المال ولم يتأثر المال بإنفاقه تأثراً واضحاً, وإن أرجعناه إلى نفس المنفِق فما طابت نفسه به من ماله فليس المقصود من طلب الإنفاق أن ينفق الإنسان كل ما عنده ويجعل أهله عالة يتكففون الناس, ولا أن ينفق ما تعلقت نفسه به فتتبعه نفسه ويتحسر عليه ويضيع مع ذلك أجره.

وهنا مقصد مهم من مقاصد التكليف والعبادة: وهو أن مقدار أجر العمل عند الله ونفعه لصاحبه في الدنيا والآخرة هو بمقدار ما وقر في قلبه من زكاء بسبب هذا العمل؛ إذ القلب محل نظر الله عز وجل وبسببه يرتفع العمل في أعلى عليين وبسببه يحبط عمل الإنسان فيضره بعد أن كان مقصوداً لنفعه, وهذا فحوى الجواب على: “ماذا ينفقون؟” لا يهم المقدار إنما المهم ما وقر في القلب وقت الإنفاق وهل طابت به النفس أم تبعته, وهل انقطعت عنه النفس أم منت به, وهل نسيته النفس أم ذكرته. ولذلك لم يظلم الله من كان من أوائل المسعرين بجهنم رغم أنه كان من المنفقين لأن ما في قلبه كان مخالفاً لما ظهر للناس, وكل إنسان أعلم بنواياه وخفايا قلبه فليصن قلبه أن يتسرب له شيء يضره. وليطلق يده بما جادت به نفسه هدية لوالد أو صلة لقريب أو حلوى يضعها في فم يتيم أو مواساة لمسكين أو بلاغاً لابن السبيل ولا يحقر اليسير فبالنية يكون عند الله عظيماً


ماذا ينفقون ؟

سبتمبر 25, 2008

الموضع الثالث جاء في سياق معترض بعد الكلام على أن طريق الجنة محفوف بالمكاره في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ..)الآية. فيقول تعالى: (يسألونك: ماذا ينفقون؟ قل: ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) وهذا سؤال متحتم بعد أي حث على الإنفاق: ماذا ننفق؟ وعلى من؟ وهنا جاء الجواب أن المال المنفق يجب أن يكون مما يصح وصفه بالخير والخير مفهوم واسع جداً يشمل ماهية المال وكيفية إنفاقه وكيفية اكتسابه, وإذا كان مقصود الإنفاق كما مر هو الإضافة الفعالة للمجتمع فلا يتم المقصود إلا بكونه خيراً يسهم في بناء المجتمع ودفع الشرور عنه. فإذا وجد هذا الخير فأين يوضع؟

بترتيب الآية: الوالدان, الأقربون, اليتامى, المساكين, ابن السبيل. ولك أن تتأمل عزيزي القارئ هذه الأصناف ثم تتأمل حال الناس اليوم مع الإنفاق. فالوالدان حقهما يأتي مقرونا مع حق الله في غير موضع من القرآن تعميقاً لشأنه في قلب المؤمن فهما أحق بنفقة الإنسان لسد حاجتهما أو لإدخال السرور والبهجة عليهما, وما أجمله من كسب تكد فيه ثم ترى أثره على والديك ملبوساً أو مأكولاً أو سروراً وبهجة, وما أعظمه من درس في الوفاء وحفظ المعروف يثمر الترابط الأسري الذي ينعكس أثره مجتمعياً.

أما الأقربون فهم الأولى بمعروف الإنسان من الأبعدين خاصة إذا كانوا متلبسين بفاقة, فالإنفاق عليهم جبر لخواطرهم أن المال لم يأتهم من غريب؛ وهو في نفس الوقت صلة لهم مأمور بها ومأجور عليها. واليتامى أناس يعيشون حرماناً نفسياً يحتاجون معه إلى المواساة والاندماج اجتماعياً يكفله الإنفاق عليهم من أفراد المجتمع مما يشعرهم بالانتماء الذي يجعلهم عامل بناء لمجتمعهم. والمساكين يكدون ثم لا يجدون كفايتهم أو أن فيهم ما أقعدهم عن الكد, وهم في نفس الوقت ينظرون إلى مترفين يتحصلون على المال بسهولة ويتنعمون فيه؛ فالإنفاق عليهم يشعرهم بالشراكة مع الأغنياء في المال ويروي ضمأ عيونهم المترقبة. أما ابن السبيل فهو وإن كان غنياً في بلده, فقد أنزلته الحاجة والانقطاع عندك, فمن المروءة أن تزوده بما يحتاج فترسم بذلك صورة زاهية الألوان عن بلدك وتقوى بذلك أواصر المودة والتعاون بين المجتمعات المتباعدة جغرافياً.

وفي كل هذا يتأمل الإنسان أن ما فعله من الخير فالله به عليم وعليه مطلع, وهذا يصرف نظره عن المقدار الذي يقف عنده حد إنفاقه إذ أنه كلما استزاد من الإنفاق استزاد من الأجر وفي نفس الوقت تحصلت المنافع الموعودة.


ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

سبتمبر 24, 2008

في الموضع الأول كانت الإشارة إلى الإنفاق تتضمن حضاً ضمنياً عليه أما الموضع الثاني فيحض الله عز وجل به على الإنفاق صراحة ويعلق عليه سلامة الإنسان من التهلكة, ويبين المولى المجال الذي تنفق فيه الأموال فيقول تقدس اسمه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). جاءت الآية في سياق قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص؛ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين, وأنفقوا …) الآية. فالمتقون الذين كان الإنفاق علامة عليهم في السابق, يخبرنا الله هنا أنه معهم.

ويتطور هنا مفهوم الإنفاق النافع  فيتبين أن مجاله إجمالاً في سبيل الله, وسبيل الله كل ما أدى إليه سبحانه وأريد به وجهه؛ وسياق الآية يلفت أنظارنا إلى مثال من الإنفاق في سبيل الله وذلك إنفاق الإنسان المسلم ماله ليدفع عن مجتمعه عدوان المعتدين وليدفع عن مكتسباته المادية والمعنوية. وهذا يعزز مفهوم المشاركة الفاعلة لمال الفرد من أجل بناء المجتمع ودفع ما يفسده, ويعمق المفهوم أكثر فيخبرنا أن المجتمع ملك أفراده ولا قوام له إلا بتكاتفهم وتعاونهم على إقامته إنفاقاً للأموال وتسخيراً للإمكانات, وأن الفرد يستحق من المجتمع (أسرة أو وطناً أو أي شيء كان) مقدار ما يبذله أو مقدار ما هو مستعد لبذله إذا دعت الحاجة. والمساهمة الفاعلة للفرد تعزز انتماءه إلى مجتمعه وبعكس ذلك: إحجامه عن المساهمة يحجم شعوره تجاه مجتمعه وهذه هي التهلكة. إذ أي هلاك يوازي أن يكون الإنسان منبتاً عن مجتمعه غريباً بين أهله وإخوانه قد أصبح عبداً لأناه الشحيحة يقدمها على كل شيء, ولهذا تبعاته النفسية والاجتماعية التي لا زال مجتمعنا يكتوي بنارها.

وتتجاوز الآية مفهوم الأخذ والعطاء والمعاوضة البحتة إلى الإحسان والله يحب المحسنين, حينما يظل الإنسان ينفق ويبذل في بناء مجتمعه ودفع الأذى عنه ابتغاء وجه الله /في سبيل الله/ لا ينتظر على ذلك جزاءً سوى الجزاء من الله فيثمر ذلك مجتمعاً متماسكاً يشعر كل فرد فيه أنه ساهم في تشييد صرحه الذي هو منيع بإذن الله عن كل غزو أو اختراق.

يتبع . .


ومما رزقناهم ينفقون

سبتمبر 23, 2008

سورة البقرة من السور العظيمة في القرآن, فهي وإن لم تكن أعظم سورة فقد ضمت بين جنباتها أعظم آية أنزلت على النبي -عليه الصلاة والسلام-, أطول سور القرآن مقداراً وأكثرها من حيث الآيات والحروف عدداً, لا أقول أنها ذروة سنام القرآن بل هي سنام القرآن كله بعظمتها وشمولها. لفت نظري أحد الأصدقاء إلى مفهوم الإنفاق فيها وكيف أنها شملت هذا الموضوع تحريراً وتفصيلاً؛ فتتبعت آيات الإنفاق فيها فوجدتها ثمينة وفي نفس الوقت غائبة عن التدبر في واقعنا وفي مواعظنا فعلمت أن ذلك ثمرة مرة للاهتمام المفرط بالسنة النبوية على حساب تدبر الآي الحكيم كمثال واضح على ضياع بوصلة الأولويات.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم (ألف لام ميم, ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين, الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون, أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون)

هذا هو الموضع الأول الذي يرد فيه لفظ الإنفاق في سورة البقرة وفي القرآن, فجاء فيه أن من أهم صفات المتقين التي تعتبر علامة عليهم أنهم ينفقون مما رزقهم الله إنفاقاً عاماً لم يخصص بشيء, إذ هو الغرض من اكتساب المال الذي ليس يطلب لذاته وإنما يطلب ليتم إنفاقه وبهذا تتم دورة المال التي تروج فيها السلع ويحصل فيها الاكتساب وتنتعش على أساسها الحياة المدنية. وكل مال تمر عليه دقيقة دون أن يكون مستثمراً يعتبر خسارة على صاحبه ومن هذا المفهوم جاءت المقولة الشهيرة (Time is money), واستثمار المال هو إنفاقه في وجه يعود بالمال مع نسبة من الربح بعد وقت وهذه النسبة يستحقها المستثمر لاستغنائه عن ماله في هذا الوقت فهو كما يقولون “نفع واستنفع”.

فالإنفاق إذن مطلوب لذاته, لتحريك دفة اقتصاد المجتمع ولينتفع منه صاحبه قدر الإمكان. وسورة البقرة مليئة بمفاهيم حول الإنفاق تستحق الوقوف عندها وتأملها طويلاً وهذا ما سآتي عليه بإذن الله في هذا المسلسل.